يرى كرم نعمة في هذا المقال أن رفض الحرب على إيران لا ينبع من تعاطف مع النظام الإيراني أو دفاع عنه، بل من ذاكرة سياسية ما تزال مفتوحة منذ حرب العراق. ويشير إلى أن نظام طهران، بطبيعته الأيديولوجية والأمنية، ألحق الأذى بشعبه أولًا وسعى إلى تصدير نفوذه إلى جواره الإقليمي. لكن معارضة الحرب، بحسب الكاتب، تنطلق من تجربة تاريخية أثبتت أن التدخل العسكري قد يفتح أبواب الفوضى بدل أن يحقق الاستقرار.
وينشر موقع ميدل إيست مونيتور هذا التحليل في سياق الجدل المتصاعد حول احتمالات التصعيد مع إيران. ويستحضر المقال تجربة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بوصفها مثالًا صارخًا على الفجوة بين الشعارات السياسية ونتائج الحروب على الأرض.
ذاكرة العراق… الجرح الذي لم يندمل
رفع المسؤولون الأمريكيون عام 2003 شعار «تحرير العراق» وادعوا امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل. وبعد مرور عقدين لم يبقَ من تلك الشعارات سوى اعترافات متأخرة بفشل التجربة.
حتى دونالد ترامب وصف غزو العراق لاحقًا بأنه أكبر إخفاق حديث للولايات المتحدة، وكأن القوة العظمى احتاجت عشرين عامًا لتدرك ما فهمه العراقيون خلال الأسبوع الأول: لا يجلب الاحتلال الحرية ولا يبني دولة.
فتح الغزو أبوابًا لم يعد من السهل إغلاقها. فقد تحوّل العراق بعد سقوط النظام إلى ساحة اضطراب واسعة؛ انهارت مؤسسات الدولة، وبرزت طبقة سياسية غارقة في الفساد، وتكاثرت الميليشيات الطائفية، وتعرض الاقتصاد لاضطراب عميق، بينما عاش المجتمع فوق برميل ضغط قابل للانفجار في أي لحظة.
يكفي هذا الإرث وحده ليجعل أي حرب جديدة في المنطقة تبدو وكأنها إعادة إنتاج للخطأ ذاته، لكن على نطاق أكبر وأكثر خطورة.
تحذيرات دولية من تكرار السيناريو
لم يتحدث رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن حرب العراق بصفته مؤرخًا، بل أطلق تحذيرًا سياسيًا واضحًا. فقد رأى أن الغزو الأمريكي لم يدمّر العراق فحسب، بل أطلق موجة من الإرهاب المتطرف ورفع أسعار الطاقة عالميًا وأعاد تشكيل توازنات القوة الدولية بطريقة لم يستطع أحد التحكم بها.
ويحذر سانشيز من أن أي هجوم على إيران يحمل القدر نفسه من الضبابية وعدم اليقين، وأن نتائجه قد تدفع النظام الدولي نحو جولة جديدة من الاضطراب بدل أن تقود إلى نظام أكثر استقرارًا وعدالة.
ولا يقتصر هذا الرأي على قائد أوروبي واحد. فقد ذكّر وزراء خارجية أوروبيون ومراكز أبحاث غربية وعدد من القادة العسكريين المتقاعدين بأن حرب العراق كشفت حدود القوة العسكرية، وأن أي صراع جديد في الشرق الأوسط قد يعيد السيناريو نفسه: دول تتفكك، وميليشيات تتكاثر، ومنطقة تتحول إلى ساحة مفتوحة لحروب بالوكالة.
لهذا السبب يبدو العالم اليوم أكثر قلقًا من احتمال اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط. فقد أثبتت التجربة العراقية أن إشعال الحرب أسهل كثيرًا من بناء السلام، وأن إسقاط الأنظمة لا يعني نهاية الأزمات، بينما يدفع السكان المدنيون دائمًا الثمن الأكبر.
إيران عقدة جيوسياسية معقّدة
لا يرى الكاتب أن النظام الإيراني مجرد هدف عسكري يمكن التعامل معه بعملية سريعة ودقيقة. فإيران تمثل عقدة جيوسياسية تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وترتبط بشبكات من الحلفاء والقوى المسلحة في أكثر من ساحة.
ولهذا قد تقود أي مواجهة عسكرية واسعة إلى زلزال سياسي واقتصادي يعيد رسم طرق الطاقة والتحالفات الإقليمية ويؤثر في الاقتصاد العالمي.
ويقر المقال بأن النظام الإيراني اتسم بقدر كبير من القسوة تجاه مواطنيه، وسعى إلى تصدير أيديولوجيته السياسية إلى دول الجوار. لكن سقوطه، بحسب الكاتب، يشكل قبل كل شيء مطلبًا داخليًا داخل إيران نفسها.
فقد خرج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع خلال العقدين الماضيين مطالبين بتغيير جذري للنظام الذي صادر حرياتهم وحوّل البلاد إلى ساحة صراع سياسي وأمني.
ومع ذلك لا يتناقض رفض الحرب مع رغبة كثيرين في رؤية تغيير سياسي داخل إيران. فالدرس العراقي ما يزال حاضرًا في ذاكرة المنطقة: التدخل العسكري الخارجي قد يطيح نظامًا، لكنه غالبًا يفتح الطريق أمام فوضى أشد تعقيدًا.
وفي الوقت نفسه لا يخلو المشهد الإقليمي من عوامل توتر إضافية. فقد وجدت دول الخليج العربية نفسها في مواجهة هجمات على منشآت حيوية للطاقة والبنية التحتية نفذتها إيران أو حلفاؤها في العراق، في رسالة مفادها أن نفوذ طهران يتجاوز حدودها الجغرافية.
لا تمثل تلك الهجمات مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل تعكس واقعًا إقليميًا معقدًا أصبحت فيه دول المنطقة رهينة حسابات استراتيجية وصراعات بالوكالة.
ويطرح المقال في ختامه سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع العالم أن يتعلم من درس العراق قبل أن يواجه نسخة جديدة من الفوضى، هذه المرة في قلب الخليج وعلى مقربة من أهم شرايين الطاقة في العالم

